ابن الجوزي
226
بستان الواعظين ورياض السامعين
نهاره بالغيبة وقبح الكلام ، وتغفلوا في ليله عن طول القيام ، وتفطروا فيه على السحت والحرام . وتصوموا بجارحة واحدة وتهملوا سائر جوارحكم في المعاصي والآثام ، فاتقوا اللّه إن اللّه عزيز ذو انتقام . وأنشدوا : أتعصي بعد شيب الرأس جهلا * كما قد كنت تعصيه غلاما أراك من التهاون لا تبالي * ولا ترعي الصلاة ولا الصياما وتفرح بالفطور ولا تبالي * حلالا كان كسبك أم حراما عباد اللّه اغتنموا بركة هذا الشهر العظيم ، المخصوص بالتفضيل والتكريم الذي بلغنا اللّه إليه في صحة من الأجسام ، وسلامة من عوارض الأسقام فالواجب على من عرف قدر هذه النعمة التي سوغها ، وفضل هذه الأيام التي بلغها أن يحفظها من التخليط والالتباس ، وأن يكف أذاه عن جميع الناس ، وأن يحذر لغو الكلام ، ولا يبطل فضل الصيام عند الملك العلام . [ 362 ] شدة العقوبة في رمضان وفي الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من سرق في رمضان أو زنا أو غصب أو انتهك حراما أو شرب خمرا أو تعدى ظلما لم يتقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا ولعنه هو وملائكته إلى مثله من الحول » . فكل من يؤذي في رمضان ويظلم على مثل ما يقدم ويندم حيث لا ينفعه الندم . فكم من صائم عن الطعام مفطر بالكلام ، دائب على القيام مؤذ للأنام ، فهو من لسانه وفعله موزور وعلى صيامه وقيامه غير مأجور . أين من زاغ عن الهدى ، ودال على سبيل الردى ، بل أين من رانت الذنوب على قلبه ، ولم يبادر بالتوبة من ذنبه ، ولم يخف من عذاب ربه ، ويحك يا مسكين اغتنم شهر رمضان المتضمن بالرحمة والغفران وانظر لنفسك يا مسكين قبل أن تصل إلى حلقك السكين ، وانتبه من نومك يا مغرور فإن ربك كريم غفور . إلى أي وقت تعانق حوبتك . ولأي يوم تؤخر توبتك ، إلى حول حائل أو إلى عام قابل ، كلا واللّه ما إليك الأقدار ، ولا بيدك المقدار ، لعلك إذا انقضى عنك شهر الصوم ، لم يبق من عمرك إلّا يوم يا هذا إذا أنت صمت فلتصم جوارحك كلها ، بطنك من الحرام ، ولسانك من قبح الكلام ، وبصرك ويدك وسمعك من الإجرام ، واكتساب الآثام .